فصل: استيلاء الغورية على لهاور ومقتل خسرو شاه وانقراض دولة بني سبكتكين

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» **


  مسير السلطان مسعود إلى غزنة والفتن بالري والجبل

لما استولى السلطان على أمره سار من غزنة إلى خراسان لتمهيد أمورها وكان عامله وعامل أبيه على الهند أحمد نيال تكين قد استفحل فيها أمره وحدثته نفسه بالاستبداد فمنع الحمل وأظهر الانتقاض فسار السلطان إلى الهند ورجع أحمد نيال إلى الطاعة‏.‏وقام محلاء الدولة بأصفهان وأظهر الانتقاض ومعه فرهاد بن مرداويج فزحف إليهم أبو سهل وهزمهم وقتل فرهاد ونجا علاء الدولة إلى جبال أصفهان وجرباذقان فامتنع بها‏.‏وسار أبو سهل إلى أصفهان فملكها سنة خمس وعشرين ونهب خزائن علاء الدولة وحمل كتبه إلى غزنة‏.‏وأحرقها الحسين الغوري بعد ذلك‏.‏عود أحمد نيال تكين إلي العصيان ولما عاد السلطان إلى خراسان لقتال الغز عاد أحمد نيال تكين إلى العصيان بالهند وجمع الجموع فبعث السلطان سنة ست وعشرين إليه جيشًا كثيفًا‏.‏وكتب إلى ملوك الهند بأخذ المذاهب عليه‏.‏فلما قاتله الجيوش انهزم ومضى هاربأ إلى ملتان وقصد منها بهاطية وهو في جمع فلم يقدر ملك بهاطية على منعه‏.‏وأراد عبور نهر السند في السفن فهيأ له الملك ليعبر إلى جزيرة وسط النهرظنها متصلة بالبر وأوصى الملك الملاحين أن ينزلوه بها ويرجعوا عنه‏.‏وعلموا أنها منقطعة فضعفت نفوسهم وأقاموا بها سبعة أيام ففنيت أزوادهم وأكلوا دوابهم وأوهنهم الجوع‏.‏وأجاز إليهم ملك بهاطية فاستوعبهم بالقتل والغرق والأسر وقتل أحمد نفسه‏.‏

  فتح جرجان وطبرستان

كانت جرجان وطبرستان وأعمالهما لدارا بن منوجهر بن قابوس وكان السلطان مسعود قد أقره عليها فلما سار السلطان إلى الهند وأنتشر الغز في خراسان منع الحمل ودخل علاء الدولة بن كاكويه وفرهاد بن ماكان في العصيان‏.‏فلما عاد مسعود من الهند وأجلى الغز عن خراسان سار إلى جرجان سنة ست وعشرين فملكها‏.‏ثم سار إلى آمد فملكها وفارقها أصحابها وافترقوا في الغياض فتبعهم وقتل منهم وأسر‏.‏ثم راسله دارا في الصلح وتقرير البلاد عليه وحمل ما بقي عليه فأجابه السلطان إلى ذلك ورجع إلى خراسان‏.‏مسير علاء الدولة إلى أصفهان وهزيمته كان أبو سهل الحمدوني قد أنزله السلطان بأصفهان ودلهم على النواحي القريبة من علاء الدولة فأوقع بهم وغنم ما معهم وكوي طمعه بذلك في أصفهان فجمع الجموع وسار إليها فخرج إليهم أبو سهل وقاتلهم وتحيز من كان مع علاء الدولة من الأتراك إلى أبي سهل فانهزم علاء الدولة ونهب سواده وسار إلى بروجرد ثم إلى الطرم فلم يقبله ابن السلار صاحبها‏.‏

  استيلاء طغرلبك علي خراسان

كان طغرلبك وأخواه بيقو وحقربيك واسم طغرلبك محمد ولما أسر السلطان محمود ارسلان بن سلجوق وحبسه كما مر وأجاز أحياء من الغز إلى خراسان فكان من أخبارهم ما قدمناه وأقام طغرلبك وإخوته في أحيائهم بنواحي بخارى‏.‏ثم حدثت الفتنة بينهم وبين علي تكين صاحب بخارى وكانت بينهم حروب ووقائع وأوقعوا بعساكره مرارًا فجمع أهل البلاد عليهم وأوقع بهم واستلحمهم واستباحهم فانحازوا إلى خراسان سنة‏.‏ست وعشرين واستخدموا لصاحب خوارزم وهو هارون بن التونتاش‏.‏وغدر بهم فساروا عنه إلى مفازة نسا ثم قصدوا مرو وطلبوا الأمان من السلطان مسعود على أن يضمنهم أمان السابلة فقبضوا على الرسل ولم يجبهم على ما سألوا‏.‏وبعث العساكر فأوقعوا بهم على نسا ثم طار شررهم في البلاد وعم ضررهم‏.‏وسار السلطان ألب ارسلان إلى نيسابور ففارقها أبو سهل الحمموني فيمن معه واستولى عليها داود‏.‏وجاء أخوه طغرلبك على اثره ولقيهم رسل الخليفة إليهم وإلى العراقية الذين قتلهم بالري وهمذان يعنفهم وينهاهم عن الفساد ويطمعهم فتلقوا الرسل بالاعظام والتكرمة‏.‏ثم إمتدت عين داود إلى نهب نيسابور فمنعه طغرلبك وعرض له بشهر رمضان ووصية الخليفة فلج فقوي طغرلبك في المنع وقال‏:‏ والله لئن نهبت لأقتلن نفسي فكف داود عن ذلك وقسطوا على أهل نيسابور ثلاثين ألف دينار فرقوها في أصحابهم‏.‏وجلس طغرلبك على سرير ملك مسعود بدار الملك وصار يقعد للمظالم يومين في الأسبوع على عادة ولاة خراسان وكانوا يخطبون للملك مسعود مغالطة وايهاماً‏.‏ولما بلغ الخبر إلى السلطان مسعود باستيلاء طغرلبك والسلجوقية على نيسابور جمع عساكره من غزنة وسار إلى خراسان فنزل بلخ في صفر سنة ثلاثين وأصهر إلى بعض ملوك الخانية دفعاً لشره‏.‏وأقطع خوارزم ولحق إسماعيل بطغرلبك‏.‏ثم أراح السلطان مسعود وفرغ من خوارزم والخانية فبعث السلطان سباسي فسار إليهم في العساكر فلم يشف نفسه ونزل سرخس وعدلوا عن لقائه ودخلوا المفازة التي بين مرو وخوارزم‏.‏وأتبعهم السلطان مسعود وواقعهم في شعبان من هذه السنة فهزمهم فما بعدوا حتى عادوا في نواحيه فأوقع بهم أخرى‏.‏وكان القتلى فيها منهم ألفاً وخمسمائة وهربهم إلى المفازة‏.‏وثار أهل نيسابور بمن عندهم وقتلوهم ولحق فلهم بأصحابهم في المفازة‏.‏وعدل السلطان إلى هراة ليجهز العساكر ليطلبهم فبلغه الخبر بأن طغرلبك سار إلى أستراباد وأقام بها في فصل الشتاء يظن أن الثلج يمنعهم عنه فسار السلطان إليه هنالك ففارقها طغرلبك وعدل عن طوس إلى جبال الري التي كان فيها طغرلبك وأصحابه وقد امتنعوا بجبالهم خوفاً من السلطان لما كان منهم من موالاة السلجوقية فأغذ إليهم السير وصبحهم فتركوا أهلهم وأموالهم واعتصموا بوعر الجبل وغنمت عساكره جميع ما استولوا عليه‏.‏ثم صعد إليهم بنفسه وعساكره وهلك كثير من العسكر بالثلج في شعاب الجبل‏.‏ثم ظفروا بهم في قنة الجبل واستلحموهم‏.‏وسار مسعود إلى ثم عاد طغرلبك وأصحابه من المفازة وبعث إليهم السلطان بالوعيد فيقال إن طغرلبك قال لكاتبه اكتب إليه‏:‏ ‏"‏ قل اللهم مالك الملك ‏"‏ الآية ولا تزده عليها‏.‏وله ورد الكتاب على السلطان مسعود كتب إليه وآنسه بالمواعيد وبعث إليه بالخلع وأمره بالرحيل إلى آمل الشط على جيحون‏.‏وأقطع نسا لطغرلبك ودهستان لداود وبداره لبيقو وسمي كل واحد منهم بالدهقان فلم يقبلوا أشياء من ذلك ولا وثقوا به وأكثروا كل العيث والفساد‏.‏ثم كفوا عن ذلك وبعثوا إلى السلطان مسعود يخادعونه بالطاعة ببلخ ورغبوه في أن يسرح إليهم أخاهم أرسلان المحبوس بالهند فبعث إليه السلطان مسعود وجاؤوا بارسلان من الهند‏.‏ولما لم يتم بينهم أمر بإعادته إلى محبسه‏.‏هزيمة السلطان مسعود واستيلاء طغرلبك على مدائن خراسان وأعمالها ولما تغلبت السلجوقية على نواحي خراسان وفضوا عساكر السلطان وهزموا الحاجب سباسي اهتز السلطان لذلك وأجمع لخراسان الحشد وبث العطاء وأزاح العلل‏.‏وسار من غزنة في الجيوش الكثيفة والفيلة العديدة على التعبية المألوفة ووصل إلى بلخ ونزل بظاهرها‏.‏وجاء داود بأحيائه فنزل قريبًا منه وأغار يوماً على معسكره فساق من باب الملك مسعود عدة من الجنائب المقربات معها الفيل الأعظم ورتاع الملك لذلك‏.‏وارتحل مسعود من بلخ في رمضان سنة تسع وعشرين ومعه مائة ألف مقاتل‏.‏ومر بالجوزجان فصلب الوالي الذي كان بها للسلجوقية وانتهى إلى مرو الشاهجان ومضى داود إلى سرخس واجتمع معه أخوه طغرلبك وبيقو وبعث إليهم السلطان في الصلح فوفد عليه بيقو فأكرمه السلطان وخلع عليه وأجابه هو عن أصحابه بالإمتناع من الصلح للخوف من السلطان‏.‏وسار من عند السلطان فسقط في يده وسار في إتباعهم من هراة إلى نيسابور ثم سرخس‏.‏كلما تبعهم إلى مكان هربوا منه إلى آخر حتى أظلهم فصل الشتاء فأقاموا بنيسابور ينتظرون إنسلاخه فانسلخ والسلطان عاكف على لهوه غافل عن شأنه حتى انقضى زمن الربيع‏.‏واجتمع وزراؤه وأهل دولته وعذلوه في إهمال أمر عدوه فسار من نيسابور إلى مرو في طلبهم فدخلوا المفازة فدخل وراءهم مرحلتين وقد ضجر العسكر من طول السفر وعنائه‏.‏وكانوا منذ ثلاث سنين منقلبين فيه منذ سفرهم مع سباسي فنزل بعض الأيام في منزلة على قليل من الماء وازدحم الناس على الورود واستأثر به أهل الدولة والحاشية فقاتلهم عليه الجمهور ووقعت في العساكر لذلك هيعة‏.‏وخالفهم الدعرة إلى الخيام ينهبون ويتخطفون‏.‏وكان داود وأحياؤه متابعاً للعسكر على قرب يتخطف الناس من حولهم فشعر بتلك الهيعة فركب في قومه وصدم العساكر وهم في تلك الحال فولوا منهزمين والسلطان والوزير ثابتان في موقفهما يحرضان الناس على الثبات فلم يثبت أحد فانصرفا مع المنهزمين في فل واتبعهم داود وأثخن فيهم بالقتل‏.‏ثم رجع إلى العسكر وقد غنمه أصحابه فآثرهم بالغنائم وقسم فيهم ما حصل له‏.‏وقعد على كرسي السلطان وأقام عسكره ثلاثة أيام ولياليها خشية من كر العساكر السلطانية عليهم‏.‏ونجا السلطان إلى غزنة فدخلها في شوال سنة إحدى وثلاثين وقبض على سباسي وغيره من الأمراء وسار طغرلبك إلى نيسابور فملكها آخر إحدى وثلاثين ونهب عسكره أهلها وكان بها هرج عظيم من الدعرة‏.‏وكانوا ينالون من الناس بالنهب والزنا والقتل فارتدعوا لذلك لهيبة طغرلبك وسكن الناس‏.‏وملك السلجوقية البلاد فسار بيقو إلى هراة فملكها وسار داود إلى بلخ وبها الحاجب التونتاش فاستخلفه السلطان عليها فأرسل إليه داود في الطاعة فسجن الرسل وحاصر داود‏.‏وبعث السلطان مسعود جيشًا كثيفاً لإمداده‏.‏ودفع السلجوقية عن البلاد فسار فريق منهم إلى الرخج فدفعوا من كان بها من السلجوقية وهزموهم وأفحشوا في قتلهم وأسرهم‏.‏وسار فريق منهم إلى بيقو في هراة فقاتلوه ودفعوه عنها‏.‏ثم بعث السلطان ابنه مودود بعساكر أخرى وجعل معه وزيره أبا نصر أحمد بن محمد بن عبد الصمد يدبره فسار عن غزنة سنة اثنتين وثلاثين‏.‏فلما قارب بلخ وداود يحاصرها بعت داود جماعة من عسكره فلقوا طلائع موعود فهزمهم‏.‏فلما وصلت منهزمة تأخر موعود عن نهايته وأقام وسمع التونتاش بإحجام موعود عنه فأطاع داود وخرج إليه‏.‏

  خلع السلطان مسعود ومقتله وولاية أخيه محمد مكانه

ولما بعث السلطان ولده مودود إلى خراسان لمدافعة السلجوقية عنها وأقام بعده سبعة أيام وخرج من غزنة في ربيع سنة إثنتين وثلاثين يريد الهند للمشتى به على عادة أبيه ويستنفر الهنود لقتال السلجوقية‏.‏واستصحب أخاه محمداً المسمول معه‏.‏وكان أهل الدولة قد ضجروا منه فتفاوضوا في خلعه وولاية أخيه محمد وأجمعوا ذلك فلما عبروا نهر سيحون وتقدم بعض الخزائن فتخلف أنوش تكين البلخي في جماعة من الغلمان الفداوية ونهبوا بقية الخزائن وبايعوا لمحمد المسمول وذلك في منتصف ربيع الآخر من السنة‏.‏وافترق العسكر واقتتلوا وعظم الخطب وانهزم السلطان محمود وحاصروه في رباط هناك‏.‏ثم استنزلوه على الأمان‏.‏وخيره أخوه محمد في السكنى فاختار مسعود قلعة كيدي فبعث إليها وأمر بإكرامه‏.‏ورجع محمد بالعساكر إلى غزنة وفوض إلى ابنه أحمد أمر دولته‏.‏وكان أهوج فاعتزم على قتل عمه مسعود وداخل في ذلك عمه يوسف وعلى خشاوند فوافقوه عليه وحرضوه فطلب من أبيه خاتمه ليختم به بعض خزائنهم وبعث بهم إلى القلعة مع بعض خدمه ليؤدي رسالة مسعود وهو بخراسان يعتذر بأن أولاد أحمد نيال تكين قتلوا السلطان مسعود قصاصاً بأبيهم فكتب إليه يتوعده‏.‏ثم طمع الجند في السلطان محمد ومحوا أيديهم إلى الرعايا ونهبوها‏.‏وخربت البلاد وارتحل عنها محمد‏.‏وكان السلطان مسعود شجاعًا كريماً عزيز الفضل حسن الخط سخياً محباً للعلماء مقرباً لهم محسنًا إليهم وإلى غيرهم من ذوي الحاجات كثير الصلوات والعطاء والجوائز للشعراء حليت تصانيف العلوم باسمه وكثرت المساجد في البلاد بعمارته‏.‏وكان ملكه فسيحًا‏.‏ملك أصفهان وهمذان والري وطبرستان وجرجان وخراسان وخوارزم وبلاد الدارون وكرمان وسجستان والسند والرخج وغزنة وبلاد الغور وأطاعه أهل البر والبحر وقد صنف في أخباره ومناقبه‏.‏

  مقتل السلطان محمد وولاية مودود ابن أخيه مسعود

لما بلغ الخبر بمقتل السلطان مسعود إلى ابنه مودود بخراسان سار مجداً في عساكره إلى غزنة فلقيه عمه محمد في شعبان سنة إثنتين وثلاثين وانهزم محمد وقبض عليه وعلى ابنيه أحمد وعبد الرحمن وعلى أنوش تكين البلخي الخصي وعلى علي خشاوند وقتلهم أجمعين إلا عبد الرحمن لرفقه بأبيه مسعود عند القبض عليه‏.‏وقتل كل من داخل في قبض أبيه وخلعه وسار سيرة جده محمود‏.‏وبلغ الخبر إلى أهل خراسان فثار أهل هراة بمن عندهم من السلجوقية فأخرجوهم وتشوف أهل خراسان للنصر على الغز من قبل موعود وكان أبوه السلطان مسعود قد بعث ابنه الآخر إلى الهند أميراً عليها سنة ست وعشرين‏.‏فلما بلغه موت أبيه بايع لنفسه وقفل إلى لهاور والملتان فملكهما وأخذ الأموال وجمع العساكر وأظهر الخلاف على أخيه مودود‏.‏وحضر عيد الأضحى فأصبح ثالثه ميتاً بلهاور بعد أن كان مودود يجهز العساكر من غزة لقتاله وهو في شغل شاغل من أمره ففرغ عن الشواغل ورسخت قدمه في ملكه‏.‏وخالفه السلجوقية بخراسان وخاطبه خان الترك من وراء النهر بالإنقياد والمتابعة‏.‏

  استيلاء طغرلبك على خوارزم

كانت خوارزم من ممالك محمود بن سبكتكين وابنه مسعود من بعده وكان عليها التوتناش حاجب محمود من أكابر أمرائه ووليها لهما معاً‏.‏ولما شغل مسعود بفتنة أخيه محمد عند مهلك أبيهما أغار على تكين صاحب بخارى من أطراف البلاد وغيرهما فلما فرغ مسعود من مراجعة محمد واستقل بالملك بعث إلى التونتاش بالمسير إلى أعمال علي وانتزاع بخارى وسمرقند منه وأمده بالعساكر فعبر جيحون سنة أربع وعشرين وأخذ من بلاد تكين كثيرًا فأقام بها وهرب تكين بين يديه‏.‏ثم دعته الحاجة إلى الأموال للعساكر ولم يكن في جبايته تلك البلاد‏.‏وجاء بها فاستأذن في العود إلى خوارزم وعاد واتبعه علي تكين وكبسه على غرة فثبت وانهزم علي تكين ونجا إلى قلعة دبوسية‏.‏وحاصره التوتناش وضيق عليه فبعث إليه واستعطفه فأفرج عنه وعاد إلى خوارزم وكانت به جراحة من هذه الوقعة فانتقض عليه ومات‏.‏وترك من الولد ثلاثة وهم‏:‏ هارون ورشيد وإسماعيل‏.‏وضبط وزيره أحمد بن عبد الصمد البلد والخزائن حتى جاء هارون الأكبر من الولد من عند السلطان بعهده على خوارزم ثم توفي التميمي وزير السلطان مسعود وبعث على أبي نصر لوزارته واستناب أبو نصر عند هارون بخوارزم ابنه عبد الجبار‏.‏ثم استوحش من هارون وسخطه وأظهر العصيان في رمضان سنة خمس وعشرين فاختفى عبد الجبار خوفاً من غائلته وسعى عند السلطان مسعود‏.‏وكتب مسعود إلى شاه ملك بن علي أحد ملوك الأطراف بنواحي خوارزم بالمسير لقتال إسماعيل فسار وملك البلد فهزمهما وهرب إسماعيل وشكر إلى طغرلبك وداود صريخين فسار داود إلى خوارزم فلقيهما شاه ملك وهزمهما‏.‏ثم قتل مسعود وملك ابنه مودود فدخل شاه ملك بأمواله وذخائره في المفاوز إلى دهستان ثم إلى طبس ثم إلى نواحي كرمان ثم إلى أعمال البتر ومكران‏.‏وقصد أرتاش أخا إبراهيم نيال وهو ابن عم طغرلبك في أربعة آلاف فارس فأسره وسلمه إلى داود واستأثر هو بما غنم من أمواله‏.‏ثم أعاد أرتاش إلى باذغيس وأقام على محاصرة هراة على طاعة مودود بن مسعود فامتنعو منه خوفاً من معرة هجومه عليهم‏.‏

  مسير العساكر من غزنة إلى خراسان

ولما ملك الغز خراسان واستولوا على سائر أملاكها وأعمالها واستولي طغرلبك جرجان وطبرستان وخوارزم وإبراهيم نيال على همذان وعلى الري والجبل وولي على خراسان وأعمالها داود بن ميكايل وبعث السلطان أبو الفتح مودود عساكره مع بعض حجابه إلى خراسان سنة خمس وثلاثين فسرح إليهم داود ابنه ألب ارسلان في العساكر فاقتتلوا وكان الغلب لألب ارسلان‏.‏وعاد عسكر غزنة مهزوماً وسار‏.‏عسكر من الغز إلى نواحي بست وعادوا وأفسدوا فبعث أبو الفتح مودود إليهم عسكرًا فقاتلهم لمزموا وظفر عسكر مودود بهم وأثخنوا فيهم‏.‏مسير الهنود لحصار لهاور وامتناعها وفتح حصون أخري من بلادهم وفي سنة خمس وثلاثين اجتمع ثلاثة من ملوك الهند على لهاور فجمع مقدم العساكر الإسلامية هناك عسكره وبعثهم للدفاع عنها‏.‏وبعث إلى السلطان مودود وحاصرها الثلاثة ملوك‏.‏ثم أفرج الآخران وعادا إلى بلادهما‏.‏وسارت عساكر الإسلام في إتباع أحدهما وهو دوبالي هربابة فانهزم منهم وامتنع بقلعة له هو وعساكره وكانوا خمسة آلاف فارس وسبعين ألف راجل‏.‏وحاصرهم المسلمون حتى استأمنوا وسلموا ذلك الحصن وجميع الحصون التي من أعمال الملك وغنموا أموالهم وأطلقوا من كان الحصون من أسرى المسلمين بعد أن أعطوهم خمسة آلاف ثم ساروا إلى ولاية الملك الآخر واسمه باس الري فقاتلوه وهزموه وقتل في المعركة هو وخمسة آلاف من قومه وأسر الباقون وغنم المسلمون ما معهم‏.‏وأذعن ملوك الهند بعدها بالطاعة وحملوا الأموال وطلبوا الأمان والإقرار على بلادهم فأجيبوا‏.‏

  وفاة مودود وولاية عمه عبد الرشيد

ثم توفي أبو الفتح مودود بن مسعود بن محمود بغزنة لعشر سنين من ولايته في رجب سنة إحدى وأربعين وقد كان كاتب فأجابوه وجمع أبو كاليجار صاحب أصفهان العساكر وسار في المفازة لنصره فمرض في طريقه ورجع‏.‏وسار خاقان إلى ترمذه وطائفة أخرى مما وراء النهر إلى خوارزم‏.‏وسار مودود من غزنة فعرض له بعد رحيله من غزنة مرض القولنج عاد إلى غزنة وبعث إلى وزيره أبي الفتح عبد الرزاق بن أحمد التميدي في العساكر إلى سجستان لإنتزاعها من اغز‏.‏ثم اشتد وجعه فمات ونصب ابنه للأمر خمسة أيام‏.‏ثم عدل الناس عنه إلى عمه إلى عمه علي بن مسعود وكان مسعود لأول ولايته قبض على عمه عبد الرشيد أخي محمود وحبسه بقلعة بطريق بست‏.‏فلما قاربها الوزير أبو الفتح وبلغه وفاة مودود نزل عبد الرشيد إلى العسكر فبايعوا له ورجعوا به إلى غزنة فهرب علي بن مسعود واستقر الأمر لعبد‏.‏الرشيد ولقب سيف الدولة وقيل جمال الدولة‏.‏واستقام أمر السلجوقية بخراسان وانندفعت العوائق عنهم‏.‏

  مقتل عبد الرشيد وولاية فرخزاد

كان لمودود صاحب اسمه طغرل وجعله حاجباً ببابه‏.‏وكان السلجوقية قد ملكوا سجستان وصارت في قسم بيقو أخي طغرلبك وولي عليها أبا الفضل من قبله فأشار طغرلبك على عبد الرشيد بانتزاعها منهم وألح عليهم في ذلك فبعث إليها طغرل في ألف فارس فحاصر حصن الطاق أربعين يوماً‏.‏وكتب أبو الفضل من سجستان يستنجده‏.‏وسار طغرل ولما سمع أصوات البوقات والدبادب وأخبر أنه بيقو فتحاجزوا وعلم أنه تورط ولقيهم مستميتاً فهزمهم وسار إلى هراة‏.‏واتبعهم طغرل فرسخين وعاد إلى سجستان فملكها وكتب إلى عبد الرشيد بالخبر واستمده لغزو خراسان فأمده بالعساكر‏.‏ثم حدثته نفسه بالملك فأغذ السير إلى غزنة حتى كان على خمسة فراسخ منها كتب إلى عبد الرشيد باستيجاش العسكر وطلبهم الزيادة في العطاء فشاور أصحابه فكشفوا له وجه المكيدة في ذلك‏.‏وحذروه من طغرل فصعد إلى قلعة غزنة وتحصن بها‏.‏وجاء طغرل من الغد فنزل في دار الإمارة وأرسل أهل القلعة في عبد الرشيد فأسلموه إليه فقتله واستولي على ملكهم‏.‏وتزوج ابنة السلطان عبد الرشيد ويحضهم على الأخذ بثأره فأجابوا ودخلوا عليه في مجلسه وقتلوه وجاء خرخيز الحاجب لخمسة أيام من قتله وجمع وجوه القواد وأعيان البلد وبايع فرخاد ابن السلطان مسعود وقام بتدبير دولته وقتل الساعين في إلى غزنة ولقي الغز وهزمهم‏.‏ودخل غزنة فملكها من أيديهم‏.‏ثم سار من غزنة إلى كرمان وسوران فملكها‏.‏وكرمان هذه‏.‏بين غزنة والهند وليست كرمان المعروفة‏.‏ثم سار غياث الدين إلى نهر السند ليعبر إلى ليهاور كرسي خسرو شاه بن بهرام شاه فبادر خسرو شاه ومنعه العبور فرجع وملك ما يليه من جبال الهند وأعمال الأنبار‏.‏وولي على غزنة أخاه شهاب الدين ورجع إلى بيروز كوه‏.‏

  استيلاء الغورية على لهاور ومقتل خسرو شاه وانقراض دولة بني سبكتكين

ولما ولي شهاب الدين الغوري غزنة أحسن السيرة فيهم وافتتح جبال الهند مما يليه فاستفحل ملكه وتطاول إلى ملك لهاور قاعدة الهند من يد خسرو شاه فسار سنة تسع وسبعين في عسكر غزنة والغور وعبر إليها وحاصرها وبذل الأمان لخسرو شاه وأنكحه ابنته وسوغه ما يريد من الإقطاع على أن يخرج إليه ويخطب لأخيه فأبى من ذلك‏.‏وأقام شهاب الدين يحاصره حتى ضاق مخنقه‏.‏وخذله أهل البلد فبعث القاضي والخطيب يستأمنان له فأمنه ودخل شهاب الدين وبقي خسرو شاه عنده مكرماً‏.‏وبقي شهرين ينتظر المعونة من يد غياث الدين فأنفذ خسرو شاه إليه فارتاب من ذلك وأمنه شهاب الدين وحلف له وبعث به وبأهله وولده مع جيش يحفظونهم‏.‏فلما وصلوا بلد الغور حبسهم غياث الدين ببعض قلاعه فكان آخر العهد به وانقرضت دولة بني سبكتكين بموته وكان مبدؤها سنة ست وستين وثلاثمائة فتكون مدة الدولة مائتين وثلاث عشرة سنة‏.‏

  دولة الترك الخبر

عن دولة الترك في كاشغر وأعمال تركستان وما كان لهم من الملك في الملة الإسلامية بتلك البلاد وأولية أمرهم ومصائر أحوالهم‏:‏ كان هؤلاء الترك ملوك تركستان ولا أدري أولية أمرهم بها إلا أن أول من أسلم منهم سبق قراخان وتسمى عبد الملك وكانت له تركستان وقاعدتها كاشغر وساغون وخيمو وما يتصل بها إلى أوان المفازة المتصلة بالصين في ناحية الشمال عنهم أعمال طراز والشاش وهي للترك أيضاً‏.‏إلا أن ملوك تركستان أعظم ملكاً منهم بكثير‏.‏وفي الخرب عنهم بلاد ما وراء النهر التي كان ملكها لبني سامان وكرسيهم بخارى‏.‏ولما أسلم ملكهم عبد الكريم سبق أقام على ملكه بتلك الناحية وكان يطيع بني سامان هو وعقبه يستنفرونهم في حروبهم إلى أن ملك عهد الأمير نوح بن منصور في عشر التسعين والثلاثمائة على حين اضطراب دولة بني سامان وانتقاض عمالهم بخراسان‏.‏وانتقض أبو علي بن سيجور فراسل بقراخان وأطمعه في ملك بخارى فطمع بقراخان في البلاد‏.‏ثم قصد أعمال بني سامان وملكها شيئًا فشيئاً‏.‏وبعث الأمير نوح إليه العساكر مع قائده أنج فلقيهم بقراخان وهزمهم وأسر أنج وجماعة من القواد‏.‏وسار فائق إلى بقراخان واختص به وفاة بقراخان وملك أخيه آيلك خان سليمان ولما ارتحل بقراخان من بخارى وهو على ما به من المرض أدركه الموت في طريقه فمات سنة ثلاث وثمانين وكان ديناً عادلاً حسن السيرة محبًا للعلماء وأهل الدين مكرماً لهم متشيعاً سنياً‏.‏وكان مواليًا لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ولما مات ولي بعده أخوه آيلك خان سليمان ولقبه شهير الدولة‏.‏واستوثق ملكه بتركستان وأعمالها ووفد عليه فائق بعد حروبه بخراسان مع جيوش الأمير نوح وسبكتكين وابنه محمود ولحق به مستصرخاً فأكرمه ووعده وكتب إلى الأمير نوح يشفع في فائق وأن يوليه سمرقند فولاه عليها وأقام بها‏.‏

  استيلاء آيلك خان على ما وراء النهر

لما عاد بقراخان على بخارى وعاد إليها الأمير نوح وقد كان من أبي علي بن سيجور وإجلائه عن خراسان ما كان استدعي الأمير نوح مولاه سبكتكين بعد ذلك واختلف ابناه بكثرزون ومنصور كما تقدم ذلك سنة خمس وثمانين‏.‏ثم هلك سبكتكين كما تقدم ذلك كله قبل ثم استوحش بكثرزون من منصور واتفق مع فائق على خلعه فخلعه وسلمه بخراسان سنة تسع وثمانين وكان فائق خصيًا من موالي نوح بن منصور‏.‏وهذه الأخبار كلها مستوفاة في دولة بني سامان‏.‏ثم بلغ الخبر إلى آيلك خان فطمع في ملك بخارى وأعمالها وسار في جموع الترك إلى بخارى مورياً بالمحاماة عن عبد الملك والنصرة له وخرج بكثرزون والأمراء والقواد للقائه فقبض عليهم وسار فدخل بخارى عاشر ذي القعده من سنة تسع وثمانين ونزل دار الإمارة وظفر بعبد الملك فحبسه فانكدر حتى مات‏.‏وحبس معه أخاه المخلوع أبا الحارث منصور وأخويه الآخرين إسماعيل ويوسف ابني نوح وأعمامه محموداً وداود وغيرهم وانقرضت دولة بني سامان والبقاء لله‏.‏ثورة إسماعيل إلى بخارى ورجوعه عنها قد تقدم لنا أن إسماعيل فر من محبسه بخوارزم واجتمع إليه قوادهم وبايعوه ولقبوه المستنصر‏.‏وبعث قائداً من أصحابه إلى بخارى ففر من كان بها من عساكر آيلك خان فهزموم وقتل منهم وحبس‏.‏وكان النائب بها جعفر تكين أخي آيلك خان فحبسه واتبع المنهزمين إلى سمرقند‏.‏ولحق إسماعيل بأحياء الغز وجمعوا عليه‏.‏وجاء آيلك خان في جيوشه والتقوا فانهزم آيلك خان وأسروا قواده وغنموا سواده ورجعوا إلى بلادهم وتشاوروا في الأسرى فارتاب بهم إسماعيل وعبر النهر وانضمت إليه فتيان سمرقند‏.‏واتصل الخبر بآيلك خان فجمع والتقى هو وإسماعيل وهزمه بنواحي أسروشنة وعبر النهر إلى نواحي الجوزجان ثم إلى مرو‏.‏وبعث محمود العساكر في آثره من خرسان وكذلك قابوس من جرجان فعاد إلى ما وراء النهر وقد ضجر أصحابه ونزل بحي من العرب فأمهلوه الليل وقتلوه‏.‏واستقرت بخارى في ملك آيلك خان وولي عليها أخوه علي تكين‏.‏

  عبور آيلك إلي خرسان

قد تقدم لنا ما كان انعقد بين آيلك خان ومحمود من المواصلة‏.‏ثم دبت عقارب السعاية بينهما وأكثر محمود من غزو بلاد الهند‏.‏ولما سار إلى الملتان اغتنم آيلك خان الفرصة في خراسان وبعث سباسي تكين صاحب جيشه وأخاه جعفر تكين إلى بلخ في علة من الأمراء وأرسلان الحاجب‏.‏فسار أرسلان إلى غزنة وملك سباسي هراة وأقام بها وبعث إلى نيسابور عسكراً فاستولي عليها‏.‏وبادر محمود بالرجوع من الهند وفرق الطايا وأزاح العلل واستنفر الأتراك الخلنجية‏.‏وسار إلى جعفر تكين ببلخ ففارقها إلى ترمذ وبعث العساكر إلى سباسي بهراة ففارقها إلى مرو ليعبر النهر فاعترضه التركمان فأوقع بهم وسار إلى أبيورد العساكر في أتباعه‏.‏ثم سار إلى خراسان فاعترضه محمود وهزمه وأسر أخاه وجماعة من قواده وعبر النهر إلى آيلك وأجلى عساكره وأصحابه من خراسان فبعث آيلك خان إلى قراخان ملك الختل فاستنفر الترك الغزية والخلنجية والهنود وعسكر على فرسخين من بلخ وتقدم آيلك وقراخان في عساكرهما ونزلوا قبالته واقتتلوا يوماً إلى الليل ومن الغد إشتدت الحرب ونزل الصبر‏.‏ثم حمل محمود في الفيله على آيلك خان في قلب فاختل المصاف وانهزم الترك واتبعهم عساكر محمود وأثخنوا فيهم بالقتل والأسر إلى أن عبر النهر وانقلب ظافراً غانماً وذلك سنه سبع وتسعين وثلاثمائة‏.‏